عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
40
معارج التفكر ودقائق التدبر
رازق في الوجود إلّا هو ، جلّ جلاله ، وتعالى وتنزّه عن أيّ شريك له في ربوبيّته الّتي بها يخلق ويرزق مربوبيه ، وتعالى وتنزّه عن أيّ شريك له في إلهيّته ، أي : في استحقاق العبادة . أو نقول في شرح العبارة : لا مستحقّ للإلهيّة بأن يكون معبودا لأيّ عابد إلّا هو جلّ جلاله وتنزّه عن الشركاء . إنّ الّلازم العقليّ الأوّل لإثبات الرّبوبيّة إثبات الإلهيّة لمن هو الرّب ، أي : إثبات استحقاقه لأن يعبد وحده من قبل مربوبيه ، وإثبات حقّه عليهم بأن يعبدوه دون أن يشركوا بعبادته أحدا ما ، أو شيئا ما ، مهما عظم ، فعبادة العابدين حقّ ربوبيّة اللّه لهم ، وإعطاء هذا الحقّ لغير من هو الرّبّ وحده ظلم عظيم ، وكفر بربوبيّته أو بإلهيّته كفرا كليّا أو كفرا جزئيّا ، والكفر الجزئيّ لا يغفره اللّه ، ويستحقّ به الكافر الخلود في عذاب النار يوم الدّين ، إذا مات على كفره ولم يتب منه . فقول اللّه في الآية : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بعد قوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بمثابة استخراج النتيجة ، بعد ذكر مقدّماتها العقليّة ، الّتي تلزم عنها عقلا النتيجة المستخرجة . ويمكن أن نصوغ الدّليل العقليّ الذي أشار إليه النصّ صياغة منطقيّة ، فنقول : اللّه وحده في الوجود هو الرّبّ الخالق الرازق ، فهو وحده المالك لمربوبيه ، ومن كان وحده هو المالك فهو وحده الذي يجب على عبيده أن يعبدوه وحده ، ولا يشركوا بعبادته أحدا ، ولا يشركوا بعبادته شيئا . إذن : فلا إله إلّا هو . والمعنى المطويّ : هو الأمر بعبادته وحده ، أي : لا إله إلّا هو فاعبدوه وحده .